ابن ميثم البحراني
425
شرح نهج البلاغة
لها وقهرها ومراقبته إيّاها ، والناس من أذاه في راحة لذلك . الثانية والخمسون : كون بعده عمّن تباعد عنه لزهده فيما في أيدي الناس ونزاهته عنه لا عن كبر وتعظيم عليهم ، وكذلك دنوّه ممن دنا منه عن لين ورحمة منه لهم لا بمكر بهم وخديعة لهم عن بعض المطالب كما هو عادة الخبيث المكَّار . وهذه الصفات والعلامات قد يتداخل بعضها بعضا ، ولكن تورد بعبارة أخرى أو يذكر مفردة ثمّ يذكر ثانيا مركَّبة مع غيرها . وبالجملة فهذه الخطبة من جليل وبليغ وصفه ولذلك فعلت بهمّام ما فعلت . فأمّا جوابه عليه السّلام لمن سأله بقوله : ويحك إنّ لكلّ أجل وقتا لا يعدوه : أي ينتهى إليه ويكون غاية له لا يتجاوزها ولا يتأخّر عنها ، والضمير في يعدوه للأجل . وسببا لا يتجاوزه : أي ولذلك الأجل سبب : أي علَّة فاعلة لا يتعدّاها إلى غيرها من الأسباب فمنها ما يكون موعظة بالغة كهذه . فهو جواب مقنع للسامع مع أنّه حقّ وصدق ، وهو إشارة إلى السبب الأبعد لبقائه عليه السّلام عند سماع المواعظ البالغة وهو الأجل المحكوم به للقضاء الإلهيّ ، وأمّا السبب القريب للفرق بينه وبين همّام ونحوه فقوّة نفسه القدسيّة على قبول الواردات الإلهيّة وتعوّده بها وبلوغ رياضته حدّ السكينة عند ورود أكثرها وضعف نفس همّام عمّا ورد عليه من خوف اللَّه ورجائه . ولم يجب عليه السّلام بمثل هذا الجواب لاستلزامه تفضيل نفسه ، أو لقصور فهم السائل . ونهيه له عن مثل هذا السؤال والتنفير عنه كونه من نفثات الشيطان لوضعه في غير موضعه وهو من آثار الشيطان . وباللَّه العصمة والتوفيق . 185 - ومن خطبة له عليه السّلام يصف فيها المنافقين نَحْمَدُهُ عَلَى مَا وَفَّقَ لَهُ مِنَ الطَّاعَةِ - وذَادَ عَنْهُ مِنَ الْمَعْصِيَةِ ونَسْأَلُهُ لِمِنَّتِهِ تَمَاماً - وبِحَبْلِهِ اعْتِصَاماً - ونَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ ورَسُولُهُ - خَاضَ إِلَى رِضْوَانِ